حين تتحوّل الشهادة إلى مسؤولية… والكلمة إلى تكليف أ. محمد البحر المحضار ليست الإشادة موقفًا شخصيًا، ولا الثناء غايةً بحد
حين تتحوّل الشهادة إلى مسؤولية… والكلمة إلى تكليف
أ. محمد البحر المحضار
ليست الإشادة موقفًا شخصيًا، ولا الثناء غايةً بحدّ ذاته، بل إن أخطر ما في الكلمات الصادقة أنها تُحمِّل صاحبها ومن يلتف حولها مسؤوليةً مضاعفة. وما كُتب، وقيل، ونُشر بحق قضية الأبناء المظلومين من أعضاء فرقة الإمام الصادق (ع)، لم يكن مجرّد تعاطفٍ عاطفي، بل شهادة حقّ، خرجت من عمق الجرح، ولامست ضمير شريحةٍ واسعة شعرت طويلًا بأنها تُقصى وتُستهدف وتُترك وحيدة في مواجهة الظلم.
إنّ ما جرى لهؤلاء الأبناء لا يمكن اختزاله في إجراءٍ أمني، ولا تبريره تحت عناوين فضفاضة، لأن جوهر القضية يمسّ الهوية، ويطال الحق في الوجود الديني والثقافي، ويصطدم مباشرةً بمبدأ العدالة الذي قامت عليه كل الرسالات، وفي مقدّمتها مدرسة محمدٍ وآل محمد (ص).
وحين يخرج صوتٌ صادق، واضح، غير متلوّن، ليقول: هذا ظلم، فإن القضية لا تعود قضية شخصٍ بعينه، بل تتحوّل إلى مرآةٍ كاشفة لواقعٍ مأزوم، وإلى اختبارٍ أخلاقي للجميع: سلطةً، ونخبًا، ومجتمعًا، ومثقفين، ومجاهدين.
إن الكلمات التي كُتبت، والبيان الذي طُرح، لم يدّعِ بطولة، ولم يطلب وصاية، ولم يسعَ إلى تصعيدٍ عبثي، بل قدّم — بشهادة منصفين — خارطة طريق عقلانية، تؤمن بأن الحقوق لا تُنتزع بالفوضى، ولا تُصان بالصمت، بل تُحمى بالوعي، وتُطالب بالحكمة، وتُنتزع بالثبات المشروع.
غير أن المأساة الحقيقية ليست في غياب الأصوات، بل في كثرة الصامتين.
كما روي عن سيدي رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله:
«إذا رأيتَ أمّتي تهابُ أن تقولَ للظالمِ: يا ظالم، فقد تُوُدِّعَ منهم»
— مأثور عند الزيدية
وليست في قلّة الوعي، بل في تآكل الإرادة.
وليس في وضوح الظلم، بل في الاعتياد عليه.
وروي عن سيدي أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع):
«ما أُخذَ اللهُ على العلماء أن لا يُقارّوا على كِظَّةِ ظالمٍ ولا سَغَبِ مظلوم»
— نهج البلاغة، الحكمة رقم 89
لقد آن الأوان أن تُفهم الرسالة جيدًا:
أن الدفاع عن المظلومين لا يعني العداء لأحد،
فقد قال الله سبحانه وتعالى في محكم آياته:
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾
— سورة هود، الآية 113
وأن المطالبة بالعدل لا تعني الخروج على المسار،
وأن تصحيح الخطأ هو عين الوفاء للمشروع، لا خيانته.
كما آن الأوان أن يُقال بوضوحٍ ومسؤولية:
إن كرامة المؤمن خطّ أحمر،
فقد قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾
— الإسراء، الآية 70
وإن التنوع المذهبي داخل إطار الانتماء الإسلامي ليس تهمة،
وإن القمع باسم الدين أخطر على الدين من خصومه المعلنين.
ونؤكد هنا بوضوحٍ لا لبس فيه، أنّ المسيرة القرآنية كانت وستبقى مشروعًا إلهيًا تحرريًا نقيًا، لا نقبل أن تُشوَّه أو يُساء إليها بسبب تصرفات بعض المتنفذين الذين يدّعون الانتساب إليها زورًا، بينما أفعالهم تُسيء للمسيرة وتؤذي قائدها قبل أن تؤذي الناس.
وقال عز وجل:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾
— يونس، الآية 81
إن وقوفنا الصريح ضد هذه الممارسات الفردية والجماعية غير المقبولة ليس خروجًا عن النهج، بل هو عين الوفاء له، وتجسيد حقيقي لولائنا وتسليمنا لسماحة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي (يحفظه الله)، الذي لم يقبل يومًا بالظلم ولا رضي به، وسار على نهج محمدٍ وآل محمد (ص) في رفض الجور والانحراف مهما كان مصدره أو غطاؤه.
وإزاء ما رافق هذا الموقف من حملات تشويه واتهامات باطلة، فإن الواجب يقتضي التوضيح بلا مواربة:
لقد تعرّضنا، كما تعرّض غيرنا، لهجومٍ منظّم وممنهج، وُجّهت فيه اتهامات جاهزة من قبيل “الطابور الخامس”، و“دعاة الفتنة”، و“خدمة الأجندات الخارجية”، فقط لأننا قلنا: لا للظلم، نعم للحق.
بل إن بعض من كانوا بالأمس القريب يشيدون بالكلمة ويثنون على القلم، انقلبوا اليوم فجأة، لا لخللٍ في الموقف، بل لأن الموقف لم يُرضِ أهواءهم، فصار الحق عندهم خروجًا عن النص، وصارت النصيحة خيانة، وصار الإنكار فتنة، متناسين ما روي عن سيدي رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله:
«أفضلُ الجهادِ كلمةُ حقٍّ عند سلطانٍ جائر»
— البخاري ومسلم، ومعتبر عند الإمامية والزيدية
ونؤكد هنا بوضوحٍ لا يقبل الالتباس:
لم نغيّر خطابنا، ولم نبدّل بوصلتنا، ولم نساوم على ثوابتنا.
أقلامنا لم تكن يومًا مأجورة، ولم تُكتب لغير الحق، ولم تُسخَّر لخدمة عدوّ أو مشروعٍ خارجي، وقد أغلقنا — سلفًا — كل الأبواب أمام أي محاولة توظيف أو تأويل مغرض لما نكتب، ومع ذلك استمر بعضهم في ممارسة الغطرسة والتخوين، ظنًّا أن الصراخ أعلى من الحقيقة.
نقولها بهدوء وثبات:
نحن أمةٌ واحدة، وقضيتنا واحدة، وولاؤنا واحد، وطريقنا واحد، مهما اختلفت الاجتهادات أو تنوّعت المدارس.
وقد روي عن الإمام الشهيد زيد بن علي (ع):
«ليس منّا من رأى منكرًا فأنكره بلسانه، ولم ينكره بقلبه وسيفه إذا قَدِر»
— كتب الزيدية في الفقه والسياسة
لقد علّمنا قادتنا الشهداء والعظماء — كسماحة السيد الشهيد القائد حسين بن بدر الدين الحوثي، والرئيس الشهيد صالح الصماد، والشهيد القائد الغماري، واللواء المداني، ومن سار على دربهم — أن القيادة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون موقعًا، وأن الانحراف من الداخل أخطر من عدوان الخارج.
واليوم ونحن نشهد سماحة الإمام القائد المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي (دام ظله) يقود معركة الأمة الكبرى في مواجهة قوى الشر الأمريكي والبريطاني والصهيوني من موقع قوة لا ضعف، ويُدير الصراع بحكمة القادة الكبار، نرى بوضوح كيف يمكن لبعض المتنفذين — باسم الحرس الثوري أو الحكومة أو الجمهورية الإسلامية — أن يسيئوا للمشروع من الداخل إن تُركوا دون محاسبة.
وكذلك الحال في يمننا العزيز؛ فبينما يخوض المجاهدون الصادقون من أنصار الله بقيادة سماحة السيد القائد عبد الملك الحوثي (يحفظه الله) معركة البر والبحر دفاعًا عن الأمة، يحاول مندسون ومتسلطون ومتتنفذون العبث باسم المسيرة القرآنية، وهذا أمر مرفوض جملةً وتفصيلًا.
المسيرة القرآنية خط أحمر، لا تقبل المساومة ولا النقاش، والجهاد عهد، ودماء الشهداء أمانة، وسماحة السيد القائد ليس اسمًا يُستقوى به الظالمون، بل رمز يُدافع عنه بالعدل، ويُصان نهجه برفض كل ما يؤذيه أو يُسيء إليه.
ونؤكد — بصدق ومسؤولية — تسليمنا وولاءنا لسماحة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي (يحفظه الله)، قائد مسار الجهاد اليماني العظيم، ونقول بملء الفم: إن كثيرًا من هذه المواقف الصادقة أقرب إلى روحه ونهجه من تصرّفات بعض المتنفذين الذين يؤذونه بأفعالهم، ويشوّهون المسيرة القرآنية بسلوكيات لا تمتّ للقرآن ولا للأخلاق ولا للجهاد بصلة.
لقد كنّا — وما زلنا — في ميادين السبعين، وفي ساحات العزة، وفي المسيرات المليونية، نصرةً لفلسطين، ووقوفًا مع غزة، ورفضًا للظلم، فكيف يُعقل أن نرفض الظلم خارجيًا ثم نصمت عنه داخليًا؟
وكيف نكون أنصار حق إن برّرنا الباطل لأنه خرج من الداخل؟
أنصار الله الحقيقيون رجال لا يعرفون الظلم، والجهاد كلمة عظيمة لا يمثلها إلا الصادقون، أمثال القادة الشهداء والمجاهدين المخلصين، أما المتنفذون الذين يسيئون للمسيرة، فالمسيرة بريئة منهم، والجهاد أشرف من أن يُختزل في سلوكياتهم.
ورغم التهديدات، ورغم حملات التخوين، نقولها بطمأنينة:
نحن ثابتون، راسخون، صامدون، لا ندعو إلى فتنة، ولا نبحث عن نزاع، وندعو — اليوم قبل الغد — إلى توحيد الصف والكلمة، والكفّ عن هذه الممارسات الحمقاء التي لا تخدم إلا أعداءنا.
إنّ الرسالة اليوم ليست موجّهة لفئةٍ بعينها، بل للجميع:
إلى من بيدهم القرار… راجعوا المسار قبل أن يتّسع الشرخ.
وإلى النخب… اصمتوا أقل، وقولوا أكثر حيث يجب القول.
وإلى المظلومين… اثبتوا، فصوت الحق قد يتأخر، لكنه لا يموت.
وإلى كل من لا يزال يؤمن أن هذه الأمة تستحق عدلًا لا انتقائية فيه… هذه لحظتكم.
لسنا دعاة فتنة، ولا طلاب صدام، ولا هواة شعارات.
نحن أبناء قضية، وأصحاب حق، وحملة أمانة.
ومن خان الأمانة أساء للجميع، ومن صانها حمى الجميع.
وفي ذكرى مولد الحجة بن الحسن (عج)، تتضاعف المسؤولية:
لأن الانتظار ليس صمتًا،
ولأن الولاء ليس تبريرًا،
ولأن نصرة المظلوم — كل مظلوم — هي أقرب الطرق إلى الله.
وروي عن سيدي الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع):
«من سرّه أن يكون من أصحاب القائم، فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق.»
— كتب الإمامية والزيدية
والله من وراء القصد.
والله على ما نقول شهيد.
#البحرالمحضار ...
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها